السيد كمال الحيدري

17

اللباب في تفسير الكتاب

إمّا على أساس منهج كلامىّ معيّن ، فإنّهم حاولوا تفسير الآيات بما يوافق مذاهبهم واتّجاهاتهم الكلاميّة ، بأخذ ما وافق ، وتأويل ما خالف ، على حسب ما يجوّزه ويرتضيه المذهب . أو على أساس منهج فلسفىّ معيّن ، فإنّه عَرَض لهم ما عَرَض للمتكلِّمين من الوقوع في مزالق تأويل الآيات المخالفة بظاهرها للمسلّمات في فنون الفلسفة بالمعنى الأعمّ أي الرياضيّات والطبيعيّات والإلهيّات بقسميها والحكمة العمليّة وخاصّة المدرسة المشائيّة ، فقد تأوّلوا الآيات الواردة في حقائق ما وراء الطبيعة وآيات الخلقة وحدوث السماوات والأرض ، وآيات البرزخ والمعاد ، حتّى أنّهم ارتكبوا التأويل في الآيات التي لا تلائم الفرضيّات والأصول الموضوعة التي نجدها في العلوم الطبيعيّة ؛ من نظام الأفلاك وترتيب العناصر والأحكام الفلكيّة والعنصريّة ، إلى غير ذلك ، مع أنّهم صرّحوا على أنّ هذه النظريّات مبتنية على أصول موضوعة وفرضيّات لم يقم عليها أىّ برهان أو دليل يثبتها أو يؤيّدها . أو ما نجده في التفاسير القائمة على منهج المتصوّفة ، فإنّهم لاشتغالهم بالسير في باطن الخلْقة واعتنائهم بشأن الآيات الأنفسيّة دون عالم الظاهر وآياته الآفاقيّة ، اقتصروا في بحثهم على التأويل ورفضوا التنزيل ، فاستلزم ذلك اجتراء الناس على التأويل وتلفيق جمل شعريّة ، والاستدلال من كلّ شئ على كلّ شئ ، حتّى آلَ الأمر إلى تفسير الآيات بحساب الجُمل وردّ الكلمات إلى الحروف النورانيّة والظلمانيّة ، إلى غير ذلك . ومن الواضح أنّ القرآن لم ينزل هدىً للمتصوّفة خاصّة ، ولا أنّ المخاطبين به هم أصحاب علم الأعداد والأوفاق والحروف ، ولا أنّ معارفه مبنيّة على أساس حساب الجمل الذي وضعه أهل التنجيم بعد نقل علم النجوم من اليونانيّة وغيرها إلى العربيّة .